شهدت مدينة النمجاط، المعقل التاريخي للطريقة القادرية في غرب إفريقيا، خلال صلاة عيد الأضحى هذا العام، مشهدا مختلفا عن الأشهر الماضية، بعد أن أمَّ الخليفة العام للطريقة القادرية في غرب إفريقيا الشيخ عبد العزيز ولد الشيخ آياه جموع المصلين في صلاة موحدة بدت أكثر انسجاما وتنظيما، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة توحيد المشهد الديني داخل المدينة التي ظلت لعقود رمزا روحيا للطريقة القادرية ومقصدا لآلاف المريدين.
ويأتي هذا التطور بعد عيد الفطر الماضي الذي اتسم بتعدد الأئمة وأماكن الصلاة داخل النمجاط، حيث شهدت القرية إقامة أكثر من جناح للصلاة، أحدها بإمامة الشيخ سيد الخير ولد الشيخ بونن، وآخر بإمامة الشيخ سعد أبيه ياكن، وهو ما أثار آنذاك تساؤلات واسعة داخل الأوساط الدينية والاجتماعية حول طبيعة التوازنات داخل المشهد القادري، ومدى وضوح المرجعية الدينية الرسمية في المدينة.
مشهد هذا العام… رسالة وحدة أم ترتيب داخلي؟
المشهد الذي طبع صلاة عيد الأضحى هذا العام بدا مختلفا بشكل لافت، إذ احتشد المصلون خلف إمام واحد وفي ساحة واحدة، وسط حضور واسع للوفود القادمة من داخل موريتانيا ومن بعض دول غرب إفريقيا المرتبطة تاريخيا بالطريقة القادرية في النمجاط.
ويرى متابعون للشأن الديني أن توحيد صلاة العيد خلف الشيخ عبد العزيز ولد الشيخ آياه يحمل أبعادا تتجاوز الجانب التعبدي، ليعكس رغبة واضحة في تقديم صورة أكثر تماسكا عن المرجعية الروحية للطريقة، خصوصا بعد الجدل الذي رافق تعدد الأئمة خلال عيد الفطر الماضي.
ويقول أحد المهتمين بتاريخ الزوايا في المنطقة إن “النمجاط ليست مجرد قرية دينية، بل تمثل مركزا رمزيا للطريقة القادرية في غرب إفريقيا، ولذلك فإن أي انقسام في المشهد الديني داخلها ينعكس مباشرة على صورة الطريقة لدى المريدين”.
عيد الفطر الماضي… تعدد الأجنحة وتشوش الرمزية
في عيد الفطر الماضي، بدا المشهد مختلفا تماما، حيث أقيمت أكثر من صلاة عيد داخل النمجاط، مع تعدد الأجنحة الدينية واختلاف الأئمة، الأمر الذي فتح الباب أمام تأويلات متعددة بشأن طبيعة العلاقة بين الأقطاب الدينية داخل المدينة.
وقد اعتبر كثيرون آنذاك أن تعدد الأئمة أضعف الصورة التقليدية للنمجاط باعتبارها مركزا روحيا موحدا، كما خلق حالة من الالتباس لدى الزوار والمريدين حول الجهة التي تمثل المرجعية الرسمية للطريقة القادرية في المنطقة.
ورغم أن التعدد في حد ذاته لا يمثل سابقة في بعض البيئات الصوفية، فإن رمزية النمجاط ومكانتها التاريخية جعلت من ذلك المشهد محل نقاش واسع على المستويين الشعبي والإعلامي.
النمجاط… أكثر من قرية دينية
تحتل النمجاط مكانة خاصة في الوجدان الصوفي بغرب إفريقيا، إذ ترتبط بتاريخ الشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل، أحد أبرز أعلام الطريقة القادرية في المنطقة، كما تستقطب سنويا آلاف الزوار خلال المواسم الدينية والمناسبات الكبرى.
وعلى مدى سنوات طويلة، ظلت المناسبات الدينية في النمجاط تقدم باعتبارها لحظات جامعة تعكس وحدة المرجعية الروحية للطريقة، غير أن التحولات الاجتماعية وتعدد الأقطاب الدينية داخل المشهد الصوفي الموريتاني أفرزت خلال السنوات الأخيرة مشاهد أكثر تعقيدا.
بين الرمزية الدينية وحسابات النفوذ
ويرى مراقبون أن ما جرى هذا العام قد يشكل مؤشرا على توجه نحو إعادة ضبط المشهد الداخلي للطريقة القادرية في النمجاط، خاصة في ظل حرص القائمين على المدينة الروحية على الحفاظ على صورتها التاريخية أمام المريدين والزوار.
ومع ذلك، يؤكد متابعون أن أي قراءة للمشهد ينبغي أن تتم بحذر، بعيدا عن تضخيم الخلافات أو اختزالها في صراع نفوذ، معتبرين أن التعدد داخل البيئات الصوفية يظل أحيانا انعكاسا لتنوع المدارس والتقاليد أكثر من كونه انقساما بالمعنى الحاد.
وبين مشهد عيد الفطر الماضي وصلاة عيد الأضحى هذا العام، تبدو النمجاط وكأنها تعيد طرح سؤال قديم متجدد: كيف يمكن للرمزية الروحية التاريخية أن تحافظ على وحدتها وسط التحولات الاجتماعية والدينية المتسارعة؟







