السنغال على صفيح الانقسام: هل بدأت القطيعة بين جوماي فاي وعثمان سونكو؟

بواسطة admin1

تشهد السنغال واحدة من أكثر اللحظات السياسية حساسية منذ وصول الثنائي بشيرو جوماي فاي وعثمان سونكو إلى السلطة، بعد القرار المفاجئ بإقالة الوزير الأول عثمان سونكو، الرجل الذي كان يُنظر إليه باعتباره الشريك الفعلي في صناعة الانتصار الانتخابي الأخير، والوجه الأكثر شعبية داخل معسكر السلطة، خصوصا في أوساط الشباب والطبقات الغاضبة من النخبة التقليدية.

الإقالة لم تكن حدثا إداريا عاديا، بل جاءت محملة برسائل سياسية عميقة. فمشهد سونكو وهو يعيد سيارات الدولة، ثم وصوله إلى منزله في حي “سيتي كور كوركي” في دكار وسط استقبال جماهيري حاشد وغاضب، كشف أن الرجل ما زال يمتلك رأسمالا شعبيا ضخما يصعب تجاوزه أو احتواؤه بسهولة.

الرئيس جوماي فاي يجد نفسه الآن أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، عليه تشكيل حكومة جديدة قادرة على إدارة البلاد، ومن جهة أخرى يواجه واقعا سياسيا وبرلمانيا لا يبدو مهيأ لمنحه هامش مناورة واسع. فالكثير من المراقبين يعتقدون أن مئات المناصب الحكومية والإدارية التي كانت مرتبطة بسونكو وأنصاره ستدخل مرحلة فراغ أو صراع نفوذ، وهو ما قد يربك دواليب الدولة في ظرف حساس.

التحدي الأكبر يتمثل في البرلمان، حيث يمتلك حزب باستيف الأغلبية، بينما يبقى عثمان سونكو زعيمه الأكثر تأثيرا. لذلك تبدو مسألة تمرير حكومة جديدة أو منحها الثقة أمرا معقدا للغاية، خاصة أن النواب المحسوبين على سونكو قد يرفضون دعم أي حكومة لا تعبر عن خطه السياسي أو لا تحظى بموافقته الضمنية.

أما خيار حل البرلمان، فلا يبدو متاحا بسهولة في الوقت الراهن، بحكم القيود الدستورية المرتبطة بعمر المؤسسة التشريعية. وحتى لو أصبح ذلك ممكنا لاحقا، فإن الذهاب إلى انتخابات مبكرة قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية أكبر، خصوصا إذا تحولت المعركة إلى مواجهة مباشرة بين الرئاسة وقاعدة “الباستيف” الشعبية.

في المقابل، يواجه عثمان سونكو هو الآخر اختبارا مصيريا. فالرجل الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى رمز للمعارضة الراديكالية يجد نفسه اليوم خارج السلطة، لكنه لا يزال يمتلك الشارع والتنظيم والحضور الكاريزمي. والسؤال المطروح: هل يستطيع تحويل الإقالة إلى وقود سياسي جديد يعزز حظوظه في أفق انتخابات 2029؟ أم أن خروجه من السلطة سيكشف حدود خطابه التعبوي عندما يصبح في مواجهة مؤسسات الدولة التي يقودها الآن حليفه السابق؟

المشهد يزداد تعقيدا مع التحركات الأخيرة للرئيس جوماي فاي ولقاءاته المتعددة مع شخصيات من رموز الدولة التقليدية وبعض أركان النظام السابق، من بينهم آمادو با وعدد من رؤساء الحكومات ووزراء الداخلية السابقين. صحيح أنه لا يمكن الجزم بأن تلك اللقاءات كانت السبب المباشر في التعجيل بإقالة سونكو، إلا أن جزءا من المحللين يرى فيها مؤشرا على بداية تشكل تحالفات جديدة داخل السلطة، وربما محاولة من الرئيس للتحرر تدريجيا من هيمنة “الباستيف” ومن أسلوب إدارة الحكم القائم على الثنائية بينه وبين سونكو.

السنغال تدخل اليوم مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأبرز: هل كان التحالف بين جوماي فاي وعثمان سونكو تحالف عبور نحو السلطة فقط، أم أنه كان مشروعا سياسيا قابلا للاستمرار؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل الحكم في البلاد، وربما مستقبل التجربة السياسية السنغالية بأكملها خلال السنوات المقبلة.