في المشهد السياسي المتقلب لغرب إفريقيا، تتكشف فصول حكاية السلطة في السنغال وموريتانيا، حيث تتشابك أدوار المؤسسة العسكرية والحراك الشعبي في نسج مصير البلدين. إنها قصة تتوارث فصولها عبر الأجيال، من فجر التأسيس حتى يومنا هذا، تحمل في طياتها عبق الماضي وصدى الحاضر.
جذور الصراع: إرث الجمهورية الخامسة وديغول الأفريقي
تأسست السنغال وموريتانيا كدولتين على وقع صراع خفيّ كامن بين الرئيس ورئيس الوزراء.
لم يكن هذا الصراع مجرد خلاف على الصلاحيات، بل كان امتدادًا لتصفية بقايا الجمهورية الفرنسية الرابعة، لتمهد الطريق أمام نموذج مستوحى من الجمهورية الفرنسية الخامسة، حيث يتربع الرئيس على عرش السلطة، ملكًا متوجًا بالصلاحيات.
هكذا ارتدى الزعيمان المؤسسان، المختار ولد داداه في موريتانيا وليوبولد سيدار سنغور في السنغال، عباءة ديغول الأفريقية، محاكيين سطوته وتفرده بالقرار.
في موريتانيا، لم يتوانَ ولد داداه عن إبعاد رئيس وزرائه ولد يحيى انچاي إثر تعديل دستوري حاسم عام 1961. ثم أوغل في تضييق الخناق على أحلامه البرلمانية والحزبية، حتى أخرجه من مسرح الحياة السياسية. ومع مرور الزمن، عادت المياه إلى مجاريها الطبيعية بينهما، لتترك خلفها قصة تنافس مرير لسنوات طويلة من الصراع الخفي تروى للأجيال، لكن هذه الذكرى لا زالت محفورة في سجلات التاريخ.
أما في السنغال، فقد رجحت كفة سنغور في مواجهة رئيس وزرائه مامادو ديا، بفضل دعم حاسم من وحدة المظليين وضباط قاعدة "ريفيسك" الفرنسية.
حيث انتهى المطاف بديا سجينًا بتهمة تدبير انقلاب عسكري بعد نحو ثلاث سنوات فقط من استقلال السنغال. هذا الحدث التاريخي شكل نقطة تحول كبرى، رسخت هيمنة الرئيس وقلصت صلاحيات رئيس الوزراء إلى حدود رمزية، كظل باهت للسلطة الحقيقية.
مساران متباينان: ديمقراطية في السنغال وتقلبات سياسية في موريتانيا
مضى كل بلد يشق طريقه الخاص في مسيرة ما بعد الاستقلال، يرسم قدره بخطوط متباينة. كرّست السنغال استثناءها الديمقراطي النسبي، متجنبةً بحكمة الانقلابات العسكرية المباشرة التي أصبحت سمة مميزة لجيرانها.
وعلى النقيض، سلكت موريتانيا طريق الانقلابات والانتخابات المتتالية، ثم قررت أن تدمج بين الأمرين في نهاية المطاف، في محاولة لخلق توازن عجيب بين الشرعية الدستورية والقوة العسكرية المتأهبة.
في غضون ذلك، جرت تحت جسر البلدين تعديلات دستورية ما فتئت تراكم السلطة والصلاحيات والمكانة والنفوذ لصالح الرئيس، لتنزل برئيس الوزراء إلى مستوى المشرف على بقية الوزراء، تحت وصاية كاملة من رئيس الجمهورية. هكذا عاش رئيسا البلدين بمنأى عن هذا التنازع المؤسسي التقليدي بين الرئيس ورئيس الوزراء. فقد صار بإمكان الرئيس الموريتاني أن يتفرغ للتحسس من زملائه من كبار الضباط الذين يتربصون بالسلطة،
في حين انصرف الرئيس السنغالي يشتت جهود معارضيه ترغيبًا بالمناصب أو تضييقًا وملاحقة أمام القضاء وزجًا في السجون.
صعود ديوماي وسونكو: رأسين في جسد واحد
ومن المسار السنغالي هذا، وتحديدًا جراء الملاحقات القضائية التي أرادها الرئيس السابق ماكي صال سدًا منيعًا أمام صعود عثمان سونكو، برز باسيرو ديوماي فاي إلى الوجود، كقدر لم يكن في الحسبان. لقد نجح سونكو في إيصال شاب مغمور، متواضع الشعبية والحضور، إلى هرم السلطة، بعد أن كان قد فشل في الوصول إلى منصب عمدة قريته "ندياغانيو" قبل ذلك بسنتين.
ومنذ ذلك اليوم، عادت السنغال، رغم أنف الجمهورية الخامسة لديغول،
ورغم صناديق الاقتراع التي يفترض أنها رسمت مسارًا جديدًا، ستة عقود إلى الوراء لتعيش برأسين. بدا لبعض المعلقين في بداية الأمر أن ديوماي فاي لا يملك من السلطة إلا الضروريات لقيام الجمهورية، من احترام للمظاهر والبروتوكول، وهمس البعض في داكار بأنه يستعجل الزمن كي ينهي هذا "الاستخلاف" الذي بدا أنه مؤقت،
أو مرحلة عابرة في رحلة السلطة.
مضى ديوماي يختط نهجه: ملامح التغير وهاجس 2029
مضت الأيام كالسهم، ومعها مضى ديوماي فاي يختط نهجه الخاص، ملقيا بظلاله على المشهد السياسي، معلنًا عن وجوده كلاعب أصيل. وشيئًا فشيئًا، بدأت تختفي رويدًا رويدًا ملامح سونكو الثورية الصارخة من سماء السنغال،
وبدت خطاه أكثر هدوءًا وتكيفًا مع متطلبات الحكم. ولأن الزمن يسير ببطء على ضفة الانتظار، فلعل سونكو قد استنفد صبره، ولربما أصبحت نفسه الطموحة، تستعجل الزمن وتحدثه عن طموحات عام 2029، وهو الموعد المحتمل للانتخابات الرئاسية القادمة.
عمومًا، لا يتقن سونكو أي عمل كما يتقن فن الصراع والمنافسة السياسية، فهو خبير في تحريك الشارع وقلب الموازين.
انت ه لنفسك يا ديوماي!
فالحفاظ على التوازن الدقيق بين المؤسسة العسكرية، التي تمثل ركيزة الدولة واستقرارها، والحراك الشعبي، الذي يمثل نبض الأمة وطموحاتها المتجددة، هو مفتاح استقرار السنغال ومستقبلها السياسي. والتاريخ يعلمنا أن إهمال أي من هذين العنصرين، أو الإخلال بالتوازن بينهما، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، سواء كان ذلك في داكار الصاخبة أو نواكشوط الهادئة. إنها حقبة جديدة تتطلب حكمة بالغة لتجاوز إرث الماضي وصياغة مستقبل مختلف، يتناسب مع تطلعات شعوب المنطقة.
هذه القراءة للمشهد السياسي في السنغال وموريتانيا، كان على بعض سياسيينا المغمورين ، أن يقرأوها جيدا و بتمعن، قبل الاصطياد في المياه العكرة،فتلك الطلقات التي يربكون بها المشهد السياسي في موريتانيا، لا تعدو في السنغال كونها مجرد مفرقعات، لا تثير الإنتباه.
هل سأعود إلى ذلك النوع من المواضيع في علاجات قادمة؟
الله تعالى أعلم.
سيد محمد ولد ابته