مرض الذائقة وغياب الكلمة الرصينة في الأغنية المعاصرة/أحمد ولد أبته

بواسطة admin1

يبدو أن الذائقة الأدبية والفنية قد أصابها العطب في زمننا الراهن، حتى غدت كلمات التفاهة تتصدر الساحة الغنائية، وتفرض حضورها الطاغي في أذهان الجمهور. فمن يتأمل الأغاني الرائجة اليوم، يلحظ بسهولة أن الكلمة الشعرية الأصيلة، فصيحة كانت أو شعبية، قد تراجعت لصالح نصوص سطحية لا تمت بصلة إلى جوهر الشعر ولا إلى روح الإبداع.

وخلال حديث جمعني مؤخرًا بأحد الفنانين الشباب، بادرته بالسؤال عن سبب تصدر هذا النوع من النصوص الهزيلة، مع أن الساحة تعج بشعراء فصحاء وشعبيين يمكن لأي فنان أن يجد بينهم ضالته. فكانت إجابته صريحة: "المشكلة أن أصحاب استديوهات التسجيل صاروا يفرضون كلمات من هذا النمط على الفنانين الشباب، بل وحتى على من لهم خبرة نسبية، بحجة أن السوق لا يقبل غيرها". وأضاف بحسرة أنه اضطر في غير مرة إلى أداء كلمات لا يقتنع بها، لكن الضرورة ـ على حد قوله ـ أجبرته.

هنا يبرز السؤال الجوهري: إلى متى سيظل غير المتخصصين يقحمون أنفسهم في كتابة النصوص الغنائية؟ أليس من الأولى أن يُترك لكل مجال أصحابه وأهله؟ فكما لا يحق للشاعر أن يتطفل على مجال هندسة الصوت أو تقنيات الإضاءة والتصوير، لا يحق لمدير الاستديو أن ينصّب نفسه شاعرًا وملحنًا وموجّهًا في آن واحد.

إن هذه الفوضى في توزيع الأدوار لا تنتج سوى المزيد من التراجع في مستوى الذائقة، وتهدد بإفراغ الأغنية من قيمتها الفنية والأدبية، فتحوّلها إلى مجرد سلعة استهلاكية سريعة الزوال. ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الجمهور من نصيبه من المسؤولية، إذ إن جزءًا معتبرًا منه ينجذب إلى هذا اللون من الغناء السطحي، ما يدفع المنتجين إلى ملاحقة الربح السهل بدل البحث عن الجودة والخلود.

لقد أثبتت التجارب عبر التاريخ أن الكلمة الراقية، متى ما صيغت بلحن جميل وأداء صادق، قادرة على أن تصل إلى القلوب وتبقى في الذاكرة. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للشعراء الحقيقيين وإشراكهم في صناعة الأغنية، هو السبيل الأوحد لإحياء الكلمة الفنية الرصينة، وصون الذائقة من هذا الانحدار المقلق.