المير… الذاكرة المنسية وأصل الرافد الحضاري

بواسطة admin1

ليست الجغرافيا وحدها ما يصنع التاريخ، بل ما تختزنه من ذاكرة، وما تحتضنه من علم، وما تنسجه من ثقافة وهوية. ومن هذا المنطلق، تبرز منطقة المير، الممتدة من تكنت جنوبًا حتى شمّامة، باعتبارها أحد أهم الفضاءات الثقافية والعلمية في ولاية اترارزة، إن لم تكن من أكثرها عمقًا وتأثيرًا، رغم ما لحق بها من تهميش إعلامي وتغييب ممنهج عبر مراحل مختلفة.

لقد شكّل المير، عبر القرون، حاضنةً للعلم والمعرفة، وموطنًا لمحاظر ومدارس كان لها بالغ الأثر في تشكيل الوعي الديني والأدبي والفكري في المنطقة. فمن مدرسة أهل هدار إلى مدرسة الخوارة الأدبية والعلمية، ومن محاظر أغنجايت إلى محظرة التيسير، التي تُعد اليوم أكبر محظرة في شبه المنطقة، تتجلى صورة المير بوصفه فضاءً منتجًا للعلم، لا مستهلكًا له.

ولا يمكن الحديث عن هذا الإرث دون استحضار أسماء أعلامٍ شكّلوا علامات فارقة في مسار الثقافة الموريتانية، من قبيل شيخ الشيوخ محمد مولود ولد أحمد فال آده رحمه الله، والشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم حفظه الله، إضافة إلى العلامتين الجليلين الشيخ المختار ولد ابلول والشيخ المختار ولد محمدا “أبته”، وغيرهم ممن أسهموا بعلمهم وتأليفهم وتدريسهم في إشعاع المير علميًا وثقافيًا.

وإلى جانب البعد العلمي الشرعي والأدبي، تميّز المير كذلك بإسهامه العميق في الجانب الطبي، من خلال مدرسة أهل آجه العريقة في الطب التقليدي، التي شكّلت مرجعًا علاجيًا مهمًا في شبه المنطقة، واعتمدت على معرفة دقيقة بالأعشاب، وطبائع الأجسام، وأساليب التداوي المتوارثة علمًا وخبرة. ولا يزال إشعاع هذه المدرسة قائمًا حتى اليوم، حيث يُقصد أهلها للعلاج والاستشارة، في دليل حيّ على عمق هذا الإرث وفاعليته واستمراريته، وعلى أن المير لم يكن منتجًا للعلم النظري فحسب، بل للمعرفة التطبيقية التي تمسّ حياة الناس وصحتهم.

كما أن المير لم يكن فضاءً للعلم وحده، بل كان ميدانًا للمقاومة والتضحية، وتُعد معركة لكويشيش، التي قادها المجاهد البطل أحمد ولد الديد، شاهدًا حيًا على حضور المنطقة في سجل الجهاد الوطني ومقاومة الاستعمار، بما تحمله من رمزية تاريخية ووطنية بالغة الدلالة.

وإلى جانب هذا البعد العلمي والجهادي، يظل الشاطئ وما يرتبط به من موارد وخيرات، قديمًا وحديثًا، عنصرًا أساسيًا في تشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكان المير، حيث مثّل موردًا للعيش وفضاءً للتفاعل الثقافي، وليس عن هذا السياق ببعيدة سبخة الملح وما ارتبط بها من نشاط اقتصادي تقليدي.

ورغم كل هذه المقومات، ظل المير بعيدًا عن الأضواء، مطمورًا في صحراء إعلامية قاسية، في وقت جرى فيه الترويج لفضاءات أخرى باعتبارها مراكز حضارية، متناسين أن المير هو الأصل، والرافد الأول الذي استندت إليه كثير من التشكّلات الثقافية والحضارية التي برزت لاحقًا في المنطقة.

إنّ إعادة الاعتبار لمنطقة المير ليست ترفًا ثقافيًا ولا دعوة جهوية ضيقة، بل هي واجب وطني وأخلاقي، يقتضي إنصاف الذاكرة، وتوثيق التاريخ، وإعادة قراءة المشهد الثقافي بميزان العدل والموضوعية. فالأمم التي لا تُنصف جذورها، لا تستطيع أن تبني مستقبلها على أسس صلبة.