حدود الحصانة البرلمانية بين حماية الرأي ومنع التحريض على الفتنة: قراءة في المادة 50 من الدستور/أحمد ولد أبته

بواسطة admin1

تُعد الحصانة البرلمانية إحدى الركائز الأساسية في الأنظمة الديمقراطية، إذ تهدف إلى تمكين النائب من أداء مهامه بحرية واستقلالية، دون خوف من المتابعة أو الضغط. غير أن هذه الحصانة، كما نظمها الدستور، ليست امتيازًا مطلقًا، ولا يمكن أن تتحول إلى غطاء قانوني لممارسات تمس السلم الاجتماعي أو تهدد وحدة المجتمع.

تنص المادة 50 من دستور 20 يوليو المعدل سنة 2006 على نوعين من الحصانة: حصانة موضوعية تحمي النائب من المتابعة بسبب ما يبديه من آراء أو تصويت أثناء ممارسة مهامه، وحصانة إجرائية تمنع توقيفه أو متابعته إلا بإذن من الجهة البرلمانية المختصة، باستثناء حالة التلبس بالجريمة.

غير أن القراءة المتأنية لهذا النص تكشف بوضوح أن المشرّع الدستوري قد قيّد هذه الحماية بقيود جوهرية، أهمها ارتباطها الصريح بعبارة “أثناء ممارسة مهامه”. وهو قيد ذو دلالة قانونية عميقة، يفيد أن الحصانة لا تمتد إلى كل ما يصدر عن النائب في المطلق، بل تظل محصورة في الإطار الوظيفي المرتبط بالعمل البرلماني. وعليه، فإن التصريحات أو الأفعال التي تصدر خارج هذا الإطار، سواء عبر وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية أو التجمعات العامة، تظل قابلة للتكييف القانوني، ولا تستفيد بالضرورة من الحماية المطلقة التي توفرها الحصانة الموضوعية.

ومن جهة أخرى، فإن التمييز بين “الرأي” و”الفعل المجرّم” يُعد عنصرًا حاسمًا في فهم حدود الحصانة. فالدستور يحمي الرأي، لكنه لا يمكن أن يُفسَّر على أنه يحمي الأفعال التي يجرمها القانون، وعلى رأسها التحريض على الفتنة أو المساس بالنظام العام. فمتى تجاوز الخطاب حدود التعبير المشروع إلى الدعوة المباشرة أو غير المباشرة للإخلال بالسلم الأهلي، فإنه يخرج من نطاق الحماية الدستورية، ويدخل ضمن دائرة المساءلة القانونية.

كما أن النص الدستوري نفسه يفتح الباب أمام التوقيف في حالة التلبس، وهي حالة يمكن أن تُفهم في سياق الجرائم المرتبطة بالتحريض العلني، خاصة إذا كان الفعل ذا أثر فوري أو يشكل خطرًا حقيقيًا على الأمن العام. إضافة إلى ذلك، فإن الحصانة الإجرائية ليست عائقًا مطلقًا، بل هي إجراء قابل للرفع من قبل البرلمان أو مكتبه، متى توفرت مبررات جدية للمتابعة.

إن جوهر الحصانة البرلمانية يتمثل في حماية الوظيفة، لا في حماية الشخص، وفي صون حرية التعبير داخل المؤسسة التشريعية، لا في إباحة الخطاب الذي يمزق النسيج الاجتماعي. ومن ثم، فإن أي قراءة متوازنة للمادة 50 تقتضي التأكيد على أن لا أحد فوق القانون، وأن حماية السلم الأهلي ووحدة المجتمع تظل أسمى من أي تأويل موسع للحصانة.

وعليه، فإن القول بإمكانية مساءلة النائب في حالات التحريض على الفتنة ليس انتقاصًا من الحصانة، بل هو تطبيق سليم لروح الدستور، الذي قام على التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين حماية المؤسسات وصون استقرار الدولة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الحصانة، بل في حسن فهمها وتطبيقها بما يضمن عدم انحرافها عن غايتها الأصلية، ويحول دون تحويلها إلى أداة للإفلات من المساءلة. فالدولة التي تحمي مؤسساتها، هي ذاتها التي تحمي مجتمعها، ولا تعارض بين الأمرين.